تقنية

تركيا والتقنية.. هل تقف البيروقراطيّة فعلا في وجه الابتكار؟

نجحت تركيا في الحفاظ على إجمالي الناتج المحلّي (GDP) خلال الأعوام الثلاث الأخيرة عند خط الـ 851 مليار دولار أميركي تقريبا(1). كما تم افتتاح مطار إسطنبول، أكبر مطار في العالم بقدرة استيعابيّة تصل إلى 150 مليون مُسافر سنويا(2). لكن هذا لم يمنع أحد مُمثّلي القطّاع الخاص من مُصارحة المسؤولين عندما قال: “من الجيّد أن هذه السفينة -تركيا- ما زالت تُبحر على الرغم من البيروقراطية الموجودة هنا”(3). فهل فعلا تؤثّر البيروقراطية على مواكبة تركيا للصيحات العالمية، وخصوصا التقنية منها؟النقل التشاركي

دخلت سيّارات الأجرة التقليدية في سجالات طويلة مع خدمات النقل التشاركي مثل “أوبر” و”كريم” في كل بقعة من بقاع العالم. لذا، فإن مُعاناة “أوبر” في مدينة إسطنبول التركية لم تكن مُستهجنة أبدا، فالخدمة تارة تعمل بشكل نظامي، وتارة يتم منعها ويُغرّم سائقوها في حالة اكتشاف أمرهم(4)؛ وهنا الحديث عن فترات زمنية مُتقاربة جدا، فالخدمة قد تحصل على موافقة صباحا، لتعود وتُصبح ممنوعة في مساء اليوم نفسه.

سائقو “أوبر” تعرّضوا أيضا لمُضايقات من سائقي سيّارات الأجرة، مُضايقات عنيفة نوعا ما، والأمر ذاته بالنسبة لسائقي سيّارات شركة “كريم”، فالحكومة في مدينة إسطنبول أجبرت خدمات النقل التشاركي على استخدام سيّارات كبيرة لتجنّب مُنافسة سيّارات الأجرة التقليدية، الأمر الذي لم يكن نافعا كثيرا، إلا أنه سهّل مأمورية سائقي سيّارات الأُجرة لتمييز تلك الخدمات.

تطبيقات النقل التشاركي، ولأنها صيحة تقنية عالمية، لاقت رواجا كبيرا على ما يبدو، الأمر الذي دفع بلدية إسطنبول لإطلاق تطبيق “آيتاكسي” (iTaksi) الذي يستفيد من سيّارات الأُجرة الصفراء ويعمل بأسلوب تطبيقات “كريم” و”أوبر” نفسه، فالمُستخدم يقوم بإنشاء حساب أولا ثم يقوم بتخزين بطاقته الائتمانية داخل التطبيق. بعدها، يُمكن طلب سيّارة أُجرة وانتظارها حتى تأتي مع إمكانية معرفة رقم لوحة السيّارة واسم السائق. وعلاوة على ما سبق، يُمكن الاتصال بالسائق من داخل التطبيق دون أن يظهر رقم المُستخدم، أو رقم السائق، لضمان خصوصية أكبر.

ميزة تقييم السائقين أيضا مُتوفّرة داخل التطبيق، وعند حصول السائق على تقييم أقل من 3 نجوم سيتم تحويل الشكوى إلى قسم الشكاوى في بلدية إسطنبول ليتّصل موظّف بالمُستخدم ويسأله عن المُشكلة التي حصلت للمُتابعة مع السائق وإيقافه عن العمل.

نظريا، فإن ما قامت به بلدية إسطنبول هو الاستفادة من صيحة تقنية حالية لتطوير نظام سيّارات الأُجرة القديم، وبالتالي تُغرّد خدمات النقل التشاركي في جهة، وسيّارات الأُجرة التقليدية في جهة أُخرى، خصوصا أن التكلفة تختلف أيضا، فخدمات مثل “أوبر” و”كريم” أصبحت أغلى من سيّارات الأُجرة التقليدية. إلا أن الحقيقة على أرض الواقع مُختلفة، فخدمة “آي تاكسي” قدّمت سيّارات نقل كبيرة أيضا، مثل تلك المُستخدمة من قِبل “كريم” و”أوبر” اللتين أصبحتا تتنافسان أيضا مع خدمة تُقدّمها الحكومة(5)، الأمر الذي قد لا يسمح لها بالاستمرار لفترة طويلة في السوق التركية.

حلول بديلة

لم تُركّز شركات النقل التشاركي على سيّارات الأجرة فقط، فهي تستثمر سنويا المليارات في مجال تطوير طائرات صغيرة لنقل الرُكّاب للتخلّص من مشاكل الازدحام التي تُعاني منها المُدن الكبيرة(6). بلدية إسطنبول لم تتجه حتى اللحظة لسيّارات الأُجرة الطائرة مثلما هو الحال عند “أوبر” مثلا، إلا أن شركة ناشئة باسم “سكوتّي” (Scotty) قرّرت حل المُشكلة بطريقة أبسط.

تعتمد “سكوتّي” على الدرّاجات الناريّة في النقل عوضا عن السيّارات، فالمُستخدم بإمكانه تحديد وجهته وموقعه الجغرافي ليأتي سائق على درّاجة لنقله، ويستفيد المُستخدم بذلك من سرعة النقل لأن الدرّاجات لن تُعاني كثيرا من الازدحام، ومن انخفاض التكلفة بالمُقارنة مع سيّارات الأجرة التقليدية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن خدمات مثل “غراب” (Grab) في شرق آسيا توفّر الخدمة نفسها، إلا أن “سكوتّي” جاءت كشركة محليّة في ظل عدم دخول شركات النقل التشاركي الكُبرى إلى هذا المجال.

نموذج “سكوتّي” التجاري يعتمد كذلك على طلب الطعام، فالمُستخدم بإمكانه الاعتماد على الدرّاجات الناريّة للحصول على طلبه بسرعة أكبر لأن السائق هو من سيذهب للمطعم بنفسه لطلب الطعام ومن ثم تسليمه. وهذا يعني أن سرعة النقل، واستلام الطلب بحالة جيّدة أمر مهم بالنسبة له للحصول على تقييم أعلى، وبالتالي الاستمرار في العمل مع “سكوتّي”، عكس المطاعم التي قد تؤخّر إيصال طلب المُستخدم لنقل أكثر من طلب في الوقت نفسه باستخدام العُمال المُتوفّرين لديهم.

وإضافة إلى ما سبق، سيوفّر “سكوتّي” خدمة نقل الطرود من مكان للآخر داخل مدينة إسطنبول أيضا، وهذه خدمة مهمّة بالنسبة للقاطنين في المدينة التي تمتد على مساحة تتجاوز حاجز الـ 5400 كيلومتر مُربّع، فشركات الشحن التقليدية تحتاج على الأغلب إلى 24 ساعة لنقل الطرود، في وقت تسعى فيه الشركة الناشئة لحل تلك المُعضلة خلال ساعات قليلة فقط. “سكوتّي” تُظهر وجود مرونة في التعامل مع الشركات التركية الناشئة التي تأتي فعلا لحل مشاكل موجودة على أرض الواقع. عكس “آي تاكسي” الذي يأتي لمنافسة الشركات الناشئة، وهو أمر مُستهجن لأنه يأتي من البلديّة المسؤولة عن تنظيم وتسهيل عمل المشاريع الناشئة، وليس مُنافستها.ابتكارات صديقة للبيئة

لإحقاق الحق، فإن بلديّة إسطنبول، وغيرها من البلديات المحليّة بطبيعة الحال، كانت السبّاقة إلى تبنّي صيحات قبل وصول شركات عالمية لتنفيذها مثل منصّات استئجار الدرّاجات الهوائية التي أطلقتها بلدية إسطنبول باسم “إيسبايك” (isbike) منذ عام 2012 تقريبا، والتي توفّر أكثر من 140 محطّة وأكثر من 1500 درّاجة هوائية.

يُمكن للمُستخدمين تثبيت تطبيق خاص متوفّر للهواتف الذكيّة. وبعد تسجيل حساب يُمكن ربط بطاقة الائتمان وتعبئة رصيد لاستخدامه فيما بعد عند استئجار الدرّاجة المقفولة بالأساس في المحطّة بكلمة مرور يستلمها المُستخدم على هيئة رسالة نصيّة قصيرة. وبعد الانتهاء من الاستئجار، يُمكن ترك الدرّاجة في أي محطّة وقفلها، ليقوم النظام باحتساب الوقت وخصم الرصيد. وهذه وسيلة نقل أُخرى تُضاف إلى الدرّاجات الناريّة وخدمات النقل التشاركي الرائجة في الوقت الراهن.

وبالعودة إلى الابتكار الحقيقي، وفي مُحاكاة لشركات على شاكلة “جامب” (Jump) أو “لايم” (Lime) التي تم الاستحواذ عليها لقاء المليارات(7)(8)، وهي شركات توفّرإمكانيةاستئجاردرّاجات”سكوتر” (Scooter) كهربائية في أميركا وأوروبا، انطلقت شركة “مارتي” (Martı) التركية في مدينة إسطنبول أيضا.

بمفهوم درّاجات “إيسبايك” الهوائية نفسه، يقوم المُستخدم بتحميل تطبيق الشركة الخاص لإنشاء حساب يسمح له فيما بعد معرفة أماكن توفّر درّاجات “مارتي” على الخارطة مع معرفة درجة شحنها أيضا. وعند العثور على أي “سكوتر”، يُمكن فتح التطبيق لمسح رمز (QR Code) الموجود على الدرّاجة للحصول على رمز فك القفل الخاص بها لاستخدامها بشكل فوري.

المرونة في “مارتي” تكمن في إمكانية ترك الدرّاجة في أي مكان بشرط قفلها والتقاط صورة لها، فلا يحتاج المُستخدم إلى إعادتها إلى مكان مُحدّد أو إلى محطّة خاصّة بالشركة.

ما يعيب مُعظم الخدمات السابقة هو توفّرها في مدينة واحدة دونا عن البقيّة، فإسطنبول هي الوجهة الرئيسية لأي شركة ناشئة نظرا لاكتظاظ السُكّان فيها من جهة، وبانفتاحها على الثقافات العالمية من جهة أُخرى. كما أن الابتكار في مجال واحد مثل مجال النقل لا يعني أن بقيّة القطاعات أيضا تحظى بالمرونة نفسها، فخدمات الدفع الإلكتروني العالمية مثل “آبل باي” (Apple Pay) أو “غوغل باي” (Google Pay) ما زالت عصيّة على المُستخدمين في تركيا، حالهم حال “باي بال” (PayPal)، وهذا بسبب شروط المصرف المركزي الصارمة(9). كما تُعتبر الضرائب على الأجهزة الإلكترونية الأعلى على مستوى العالم، فسعر “آيفون إكس إس” (iPhone Xs) يبدأ من 1700 دولار أميركي تقريبا(10)، في وقت يبلغ سعر مبيعه في أميركا 1000 دولار تقريبا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق