تقنية

يعرفك أكثر من زوجتك.. هكذا سيكتشف الذكاء الصناعي خبايا شخصيتك

الأمر مربك حقا، ربما تتساءل الآن عن كل ذلك القلق الذي يعتريك قبل الدخول إلى مقابلة عمل، لقد كبرت على ذلك! أو هكذا تظن. أنت الآن تجلس في غرفة ذات جدران بيضاء، كل شيء آخر بها أبيض أيضا عدا المقاعد الجلدية السوداء التي تجلس على أحدها، المكان واسع لكنه خانق، تكاد تقسم أنك للحظة قد شممت رائحة الأدوية أو المطهرات بسبب شعورك أنك في مستشفى ما، وبينما أنت غارق في أحلام اليقظة الخاصة بك ينادي أحدهم باسمك، لقد جاء دورك.

حسنا، حانت اللحظة الحاسمة واقتربت وظيفة الأحلام منك، بقي فقط أن تُظهر بعض الثقة وأن تتحدث بدرجة من الطلاقة وتخبرهم أنك تود أن تجلس مكانهم بعد خمس سنوات، لكن المفاجأة كانت أنهم بدأوا بإخبارك أن خوارزميات كشف الشخصية التي فحصت منشوراتك، وصورك، وبعض الفيديوهات التي نشرتها على حساب فيسبوك الخاص بك تقول إن وجهك يعطي إشارات عدائية حادة، تقول كذلك إنك شخص تميل للهيمنة على الآخرين وأقل انفتاحا من المطلوب، ما يجعلك غير مناسب لهذه الوظيفة.أكثر من زوجتك

ربما تتصور أن ما تحدثنا عنه قبل قليل هو فكرة لاذعة لإحدى الحلقات المثيرة للانتباه من المسلسل الشهير “بلاك ميرور”، أو ربما باعتباره أحد المشاهد في قصة خيال علمي مُفرطة في تصوراتها عن مستقبل العالم، إلا أن قدرات الذكاء الاصطناعي على كشف الشخصيات عبر البيانات وصور الوجه تطورت خلال السنوات القليلة السابقة بصورة تدفعنا لتساؤلات جادة عن مستقبل البشر مع وجودها، تساؤلات ببساطة: هل يمكن أن يحدث هذا حقا؟

للإجابة عن هذا السؤال دعنا نبدأ من العام 2015، حينما تمكنت(1) “وو يويو”، الباحثة بمركز كامبريدج للقياسات النفسية، مع فريق عملها، من تطوير آلية برمجية يمكن لها أن تصف شخصيات الناس بناء على “الإعجابات” الخاصة بهم لصفحات ومنشورات فيسبوك، خضع للتجارب أكثر من 86 ألف شخص عبر تطبيق للهواتف الذكية يدعى “ماي بيرسوناليتي” (My Personality) يقيم شخصياتهم ويُسمح له بالدخول إلى بيانات فيسبوك الخاصة بهم، بعد ذلك يُطلب إلى مستخدم التطبيق أن يدعو صديقا أو زميل عمل أو فردا من العائلة لتقييم شخصيته.

هنا جاءت النتائج(2) لتقول إن تلك الآلية كانت أكثر دقة في وصف “شخصية” الأفراد من زملائهم في العمل، وأصدقائهم، وأفراد العائلة، وكلما ازداد قدر البيانات التي حصل عليها البرنامج كانت النتائج أكثر دقة. لكن اللافت للانتباه في الأمر هو أن تلك الآلية الذكية احتاجت إلى عدد “إعجابات” قليل جدا لتوصيف الأشخاص. على سبيل المثال، في الدراسة، أمكن للحاسوب أن يتنبأ بشخصية الفرد بدقة أكبر من زميل العمل من خلال تحليل عشرة إعجابات فقط، وبدقة أكبر من صديق مع 70 إعجابا، وبدقة أكبر من أحد أفراد الأسرة (الأب، والأم، والإخوة) مع 150 إعجابا، اللافت للانتباه بشكل أكبر أن الحاسوب كان قادرا على توصيف ملامح شخصية شخص ما بدقة أكبر من زوجته، فقط بفحص 300 من إعجاباته على فيسبوك!

بُنيت اختبارات الشخصية التي خضع لها المشاركون في التجارب على تحديد “عناصر الشخصية الخمسة(3)“، وهي الانفتاح (أن يكون الشخص فضوليا، منفتحا على العالم، أم منطويا على ذاته)، والضمير (وهي درجة قدرة الشخص على ضبط نفسه في مواجهة الأوامر والتعليمات وأداء الواجبات والأمور المهمة)، والحس الاجتماعي (قدرة الشخص على التفاعل مع الآخرين والثقة في نفسه أثناء هذا التفاعل)، والتوافق (الثقة بالآخرين وبالتالي حسن معاملتهم والتعاون معهم بناء على ذلك)، والاضطراب (درجات القلق والسلبية وكآبة النفس في العموم).

ليست هذه هي المرة الأولى التي ينجح فيها مركز كامبريدج للقياسات النفسية من استخدام بيانات المستخدمين لفيسبوك وتويتر في تحليل شخصياتهم، في العام 2013 نجح باحثون(4) من المركز نفسه في تطوير خوارزمية جديدة تحدد الشخصية، والعرق، والجنس، ومستوى الذكاء، والميول الجنسية والسياسية للناس، وإن كانوا مدمنين أم لا. نجح الذكاء الاصطناعي، في تلك التجارب، بنسبة ترتفع عن 80% وتصل إلى 95%، في عيّنة قوامها 58 ألف شخص، ليس ذلك فقط، بل وتمكّن الذكاء الاصطناعي من تحديد ديانة الخاضع للاختبارات بالدرجة نفسها من الدقة، مسلم أم مسيحي.هل يظهر التوجه الجنسي في الصور؟

هل يمكن تصديق ذلك؟ للوهلة الأولى يدعو الأمر للضحك، الذكاء الاصطناعي، فقط عبر تحليل عدد قليل نسبيا من إعجاباتك على منشورات وصفحات فيسبوك، كان قادرا على معرفة معدل ثقتك في نفسك، قدر انفتاحك على التجارب الجديدة، مستوى اختلاطك الاجتماعي، قدر الحزن الذي يسكن نفسك، والكيفية التي تضبط بها ذاتك، أكثر من زوجتك! لكن علامات الضحك في وجوهنا على أثر تلك المفارقة قد تزول حينما نلتقي بمايكل كوسينسكي من جامعة ستانفورد، وهو أحد المشاركين في تلك الدراسة مع “وو”، لكن كوسينسكي، في العام 2017، أقدم على قفزة جديدة تماما في هذا المجال.

كوسينسكي يؤمن بشيء واحد فقط، وهو أن كل شيء ممكن بالنسبة للذكاء الاصطناعي، ذلك الذي يمتلك قدرة على الاحتفاظ بكميات هائلة من البيانات والوصول إليها، وكذلك القدرة على تحليلها باستخدام خوارزميات أكثر تعقيدا من قدرات أذكى البشر، حينما تقرر -كإنسان- تحليل قضية ما، مشكلة تواجهها في حياتك، فإنك تعتمد على مثال واثنين فقط، وغالبا ما نميل نحن البشر إلى التحيز والميل لآليات غير عقلانية في أثناء محاولاتنا لتحليل الأمور، أما الذكاء الاصطناعي فقادر بدرجة أكبر على تجنب التحيز، لدرجة تُمكّنه من رؤية أشياء لا يمكن لك أن تراها، أشياء كالميول الجنسية!

تمكّنت(5) آلية الذكاء الاصطناعي التي طورها كوسينسكي وفريقه، بعد فحص الصور الخاصة بـ 35 ألف شخص على أحد مواقع المواعدة، تلك التي يذكر فيها الناس الميول الجنسية للشريك المطلوب للمواعدة (مثلي أو مغاير)، من النجاح بنسبة 91% في تحديد الميل الجنسي، فقط عبر فحص خمس صور للشخص نفسه. بالنسبة لتجارب أوّلية، تعد تلك نتيجة مذهلة يمكن بسهولة أن نتوقع بعدها اقترابا من نسبة الـ 100% في فرصة ليست ببعيدة.

ورغم أن الفكرة الخاصة بكوسينسكي تبدو بسيطة للوهلة الأولى، فهي تعتمد بشكل رئيسي على الوضع الذي يتخذه الناس أثناء التصوير (خاصة لغرض المواعدة) وطريقة هندمة الملابس وتسريحات الشعر وكيفية حلق الذقن، والذي يجعل الرجال المثليين يتخذون أوضاعا وتعابير وجه أنثوية، والعكس بالنسبة للمثليات، فإن الفكرة الأساسية هي القدرة على معالجة كم هائل من البيانات، الإنسان الطبيعي لا يتمكن بسهولة من قراءة تلك العلامات، أما الذكاء الاصطناعي فلديه قدرة أكبر، بمراحل واسعة، من إيجاد الأنماط، عبر التعلم العميق، ثم مقارنتها ببعضها البعض، والوصول إلى نتائج بهذه الدقة.

يدفع كوسينسكي بالأمر إلى ما هو أبعد من ذلك، خاصة حينما أعلن(6) هذا الفريق البحثي عن قدرتهم على تطوير ذكاء اصطناعي بخوارزميات أكثر عمقا يمكن لها، فقط عبر صورتك على وسائل التواصل الاجتماعي دون أي بيانات أخرى، أن تحدد بعض المعايير الأخرى كالتوجه السياسي ومعدلات الذكاء. بالنسبة لنا، وجه الإنسان نافذة لتأمل مشاعره بينما نتحدث معا، لكن بالنسبة لهؤلاء الباحثين فالوجه البشري هو كتاب مفتوح مسكون بكم ضخم من البيانات التي تحتاج فقط إلى أن يأتي أحدهم بخوارزمية بسيطة ذاتية التعلّم فتقرأها.دولة زيوس

لفهم تلك الفكرة الخاصة بـ “الكتاب المفتوح” يمكن أن نترك ستانفورد قليلا ونذهب إلى مدينة شتوتجارت الألمانية، تحديدا “مختبر التعلم الآلي والروبوتات” حيث عملت(7) “سابرينا هوب” مع فريق دولي مشترك على تطوير خوارزمية جديدة تحاول أن تحدد شخصيّات الناس فقط عبر حركات عيونهم، في التجارب الخاصة بهم ارتدى الخاضعون للتجارب نظّارات خاصة يمكن لها أن تتبع حركة العين، ثم تم إرسال كل منهم في مهمة بسيطة إلى المتجر لشراء بعض المنتجات ثم العودة إلى مقر التجارب.

كانت تلك الفترة كفيلة لتُسجّل الكاميرات فيديو قصيرا لحركة العينين، ثم تقوم الخوارزمية التي تعمل عبر التعلم العميق من تحديد الملامح الخمسة الأساسية لشخصيات الخاضعين للتجارب بنسبة تخطت حاجز المصادفة الطبيعية بفارق 15%، يفتح ذلك الباب -لا شك- لنوع جديد من البحوث في هذا المجال، لفهم تلك الفكرة يمكن أن نتأمل دراسة أخيرة من جامعة ملبورن(8) الأسترالية تمكّن الباحثون فيها من تطوير كاميرا قياس حيوي يمكن لها، فقط حينما تقف لثوانٍ أمامها، أن تحدد 14 صفة لك، تبدأ من العمر والجنس وصولا إلى صفات الشخصية الخمسة الأساسية.

يبدو أننا على شفا عالم جديد تماما يمكن للبعض أن يعرف فيه “كل شيء” عنك فقط من “إعجاب” أو صورة أو فيديو

رويترز  

هل يمكن أن يحدث ذلك؟ أن تمر بكاميرا عادية في مدخل إحدى الشركات فيرفض حرّاس الأمن دخولك لأن آلية الذكاء الاصطناعي ترجح أنك شخصية عدوانية للغاية أو أن يتم رفضك في وظيفة ما دون الحاجة إلى لقائك، ولكن فقط لأن تحليل صورتك على فيسبوك يعطي إشارات أنك غير مناسب للوظيفة؟ لا نعرف، لكننا نعرف دون شك أن التطورات في هذا المجال الخاص بالتعرف على شخصيّات الناس من خلال بياناتهم أو -ما هو أكثر عمقا وأهمية- صورهم على وسائل التواصل الاجتماعي يتطور بسرعة مهولة، خاصة وأنه مدعوم بقوة من قبل ألتراس(9، 10، 11) اقتصادي ضخم يريد مطاردة كل شيء له علاقة بالعميل، بجانب رغبات أجهزة الاستخبارات التي تصل إلى حد الشهوانية في التعرف إلى أحوال الناس، يدفعنا ذلك إلى توقّع حدوث أي شيء مستقبلا.

يقول المثل الشعبي المصري “تعرف فلان؟ آه، عاشرته؟ لأ، يبقا متعرفوش”، في دلالة إلى أن معرفة شخصيات الناس، وجوهرهم، لا يظهر لنا إلا بعد فترة طويلة من التفاعل بيننا وبينهم، لكن يبدو أننا على شفا عالم جديد تماما يمكن للبعض أن يعرف فيه “كل شيء” عنك فقط من “إعجاب” أو صورة أو فيديو. يدفعنا ذلك، بالضرورة، لتساؤل غاية في الأهمية: في يدي مَن يمكن أن تقع تلك التقنيات؟ نتصوّر للوهلة الأولى أن تكون هناك استخدامات مفيدة لهذا التطور المتسارع نحو ذلك النوع من التقنيات، لكن في الجهة الأخرى هناك احتمالات واسعة أيضا، يمكن لتلك التقنيات أن تساعد الاستبداد، أن تتحكم في رغبات الناس، أن تُصنّفهم كطبقات فقط عبر تتبع ملامح وجوههم.

في الفيلم الشهير “عدو الدولة” (Enemy of the State) يحاول روبرت دين، وهو محامٍ غير معروف، أن يهرب بسر قاتل عرفه بالمصادفة ذي علاقة بأحد رجال النفوذ في الإدارة الأميركية، لكنه يتفاجأ بأن الأجهزة الاستخباراتية الأميركية تتبعه بصورة لم يكن ليصدقها، كل شيء مُراقب: الهاتف والتلفاز والأبواب والملابس، الأقمار الصناعية تتبعه أينما مضى، والكاميرات في المحال التجارية والمترو وإشارات المرور وكل شيء آخر، هل يمكن أن يأتي يوم ما تصبح الدولة، أو ربما شركة ما أو تحالف شركات، أقرب ما يكون لزيوس، في الأسطورة القديمة، ملك الآلهة الذي يراقب أدق دقائق العالم من جبال الأوليمب ويعرف كل ما يدور في نفوسهم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق